سعيد حوي
198
الأساس في التفسير
السحر ، ومن ثم صدر الحكم عليهم بالكفر بهذا السبب مع أنهم كفار في الأصل ، يفهم من ذلك أن السحر الذي هو سحر يلازمه الكفر . وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ للمفسرين في ( ما ) من قوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ مذهبان : الأول أنها نافية ، والثاني على أنها اسم موصول ، وعلى أنها نافية يفهم النص مجموعة فهوم ، وعلى أنها اسم موصول يفهم النص مجموعة فهوم ، وسنعقد لذلك فصلا أما الآن فنقول : إن إحدى الاتجاهات الرئيسية في النص : أن هذين ملكان أنزلهما الله - عزّ وجل - ليعلما الناس السحر ليستطيعوا أن يفرقوا بين السحر والمعجزة ، ومن ثم فإنهما كانا يقولان لمن يتعلم إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ بأن تعمل بالسحر وتسحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . أي : فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف ، وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر سوء منظر ، أو خلق أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة ، والمرء هو الرجل وتأنيثه امرأة ويثنى كل منهما ولا يجمعان وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . أي : وما هم بضارين بالسحر أحدا إلا بعلم الله ومشيئته وقضائه وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . أي : يضرهم في دينهم وأخراهم وليس له نفع يوازي ضرره أصلا . دل ذلك على أن تعلم السحر ضرر محض قال النسفي : وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية . أقول : المطالعة في كتب الفلسفة حرام على من ليس عنده مناعة ضدها ، وهذا بحث يقتضي فصلا وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . أي : ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من نصيب ، فالخلاق هو النصيب وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . أي : ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لو كان لهم علم بما وعظوا به ، ولكنهم لا علم عندهم ، إنما نفى العلم عنهم مع إثباته لهم بقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا لأن معناه لو كان عندهم علم يعملون به ، جعلهم حين لم يعلموا بعلمهم كأنهم لا يعلمون وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . أي : ولو أنهم آمنوا بالله ورسله والقرآن ، واتقوا الله باجتناب المحارم وترك ما هم عليه من نبذ كتاب الله ، واتباع كتب الشياطين ، لكان ثواب الله خيرا لهم مما هم فيه ، فالمثوبة الثواب ، وقد حكم عليهم بالجهل بقوله لَوْ